عن الشعر والشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟ هل بوسعي الإيمان بأن رجل الموهبة، أعني الشاعر، يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا. لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك (بيسوا)، قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. “لقد مررنا”، يقولون.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول (*)

الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول (بيسوا) عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك (بيسوا) سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه، ذاهلًا، من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.

6 تعليقات

  1. A person essentially help to make critically articles I would
    state. That is the first time I frequented your website page and up to now?
    I surprised with the analysis you made to create
    this actual post extraordinary. Great job!

  2. I’m really enjoying the design and layout of your blog.
    It’s a very easy on the eyes which makes it much more pleasant for me
    to come here and visit more often. Did you hire out a developer
    to create your theme? Exceptional work!

  3. Hello, after reading this awesome paragraph i am also cheerful to share my experience here
    with colleagues.

  4. all the time i used to read smaller articles or reviews that also clear
    their motive, and that is also happening with this article
    which I am reading here.

  5. Hi are using WordPress for your site platform? I’m new to the blog world but I’m trying to get started and create my own. Do you need any
    coding expertise to make your own blog? Any help would be
    greatly appreciated!

  6. I quite like reading through an article that will make people think.
    Also, thank you for permitting me to comment!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *